محمد متولي الشعراوي
1911
تفسير الشعراوى
إن هذا هو موقفهم منى أنا . فإذا كان موقفهم وسوء أدبهم وصل بهم إلى أن يجترئوا على الذات المقدسة العليّة ، ويقولون : « إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ » ويقولون : « يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ » . أفتحزن وتأسى على أن يقولوا لك أو لأتباعك أي شئ يسيئ إليكم ؟ إنها نعمت المواساة من اللّه لرسوله ونعمت التسلية . ويضيف الحق : « سَنَكْتُبُ ما قالُوا » . لماذا يكتب اللّه ما قالوا مع أن علمه أزلي لا ينسى ؟ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى ( من الآية 52 سورة طه ) لقد جاءت كلمة « سنكتب » حتى لا يؤاخذهم سبحانه وتعالى يوم القيامة بما يقول هو إنهم فعلوه ، ولكن بما كتب عليهم وليقرأوه بأنفسهم ، وليكون حجة عليهم ، كأن الكتابة ليست كما نظن فقط ، ولكنها تسجيل للصوت وللأنفاس ، ويأتي يوم القيامة ليجد كل إنسان ما فعله مسطورا : اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ( 14 ) ( سورة الإسراء ) وهذا القول يدل على أنه ساعة يرى الإنسان ما كتب في الكتاب سيعرف أنه منه ، وإذا كنا نحن الآن نسجل على خصومنا أنفاسهم وكلماتهم أتستبعد على من علمنا ذلك أن يسجل الأنفاس والأصوات والحركات بحيث إذا قرأها الإنسان ورآها لا يستطيع أن يكابر فيها أو ينكرها ؟ « سَنَكْتُبُ ما قالُوا » وهم قالوا : « إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ » وهذا معصية في القمة ، وتبجح على الذات العلية ، ولم يكتفوا بذلك بل قتلوا الأنبياء الذين أرسلهم اللّه لهدايتهم ؛ لذلك يقول الحق : « سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ » . وعندما يأتي هذا النبأ لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فهو تسلية له من الحق سبحانه . لقد قالوا في ربك يا محمد ما قالوا ، وقتلوا الأنبياء إخوانك ، فإذا صنعوا معك ما صنعوا فلا تحزن فسوف يجازون على ما كتبناه عليهم بشهادة أنفسهم ، ونقول : ذوقوا عذاب الحريق . والحريق يصنع إيلاما إحساسيا في النفس .